|
مما لا
شك فيه أن الوصول لتخطيط مجالي محكم لن يتأتى فقط بتنظيم قانوني ووضع
مخططات، بل لابد من تجسيده على أرض الواقع من خلال متابعة ميدانية لمختلف
الأشغال من طرف هيئات تملك من الخبرة والكفاءة ما يحعلها قادرة على رصد
مكامن الخلل والصواب قبل الشروع في العمل المراد إنجازه من طرف الشخص
المسموح له بذلك.
إلا أن
هذا غالبا ما لا يحدث نظرا لتعدد الإكراهات الواقعية وكذا جهل العديد من
الأشخاص بمقتضيات فوانين التعمير، قد يدفع الكثير من الأشخاص لخرق هذه
المقتضيات وذلك بإقامة أبنية مخالفة إما لما جاء بمقتضيات تصاميم المجال
وإما بإقامة أبنية بدون رخصة مسبقة تسلم له من طرف الهيئات المختصة.
كل هذا
قد يجعل الشخص متابعا بارتكاب مخالفة عند ضبطه من قبل الأعوان المكلفين
بضبط المخالفات التابعين للمجالس الجماعية أو من قبل الشرطة القضائية إما
بناء على المحاضر المنجزة في الموضوع أو التي تم استخلالها أثناء إجراء
المعاينة للمكان.
وارتباطا
بموضوعنا المتعلق بمخالفات التعمير بين كل من استئنافيتي وجدة والناظور
سنحاول رصد مختلف الإجراءات المسطرية المتبعة، وكذا مختلف الأسس المعتمدة
في إصدار الأحكام محاولين رصد مكامن الاختلاف والتشابه بين منطوق الأحكام
ومدى تأثيرها على الوضعية المادية والمعنوية للمخالفين؟ وإلى أي حد استطاع
القضاء تجاوز مختلف الثغرات.
من هذا المنطق ارتأينا تقسيم
هذه الدراسة إلى مبحثين أساسيين.
المبحث الأول: مخلفات
التعمير المحالة على استئنافيتي وجدة والناظور
المبحث الثاني : جزاءات
مخالفات التعمير بين استئنافيتي وجدة والناظور
تعد
أنشطة البناء من الأنشطة الأساسية التي تساهم في ظهور التجمعات العمرانية
حيث أن السكن أصبح يعتبر رمز الاستقرار في حياة الإنسان ونقطة الانطلاق
لنشاطه اليومي ولأجل تنظيم هذا النشاط كان لابد من سن تشريعات تنظم البناء
والعمران من خلال التخطيط العمراني والرقابة على التنفيذ ومدى مطابقته
للمواصفات وقواعد السلامة.
إلا أنه
وأمام تمركز السكان في الأوساط الحضرية وبالتالي انتشار السكن العشوائي
بمختلف أشكاله نتج عنه ارتفاع عدد المخالفات المحالة على القضاء في الآونة
الأخيرة.
ومن هذا
المطلق وارتباطا بموضعنا سوف نشير في المطلب الثاني إلى طبيعة المخالفات
المحالة على كل من استئنافيتي وجدة والناظور على أن نعرض قبل ذلك للأساس
المعتمد في تكييف المحاضر وإجراءات البحث المنجزة من طرف الهيئات المختصة
(المطلب الأول)
باستقرائنا لأغلب الأحكام الصادرة عن استئنافيتي وجدة والناطور في مادة
مخالفات التعمير نجد الاستئنافيتين تعتمدا في تكيفهما لطبيعة المخالفة على
ما يثبت من في محاضر المعاينة التي يجريها أعوان الجماعات المحلية المكلفين
بمراقبة مخالفات التعمير، وذلك ما يجعلنا نتساءل كما إذا كان التكييف الذي
يعطيه الأعوان المذكورين.
يصلح
بالفعل أن يكون أساسا للحكم، أم أن القضاء يلزمه أن يسترد حريته في
التكييف، بحيث يعمد إلى إجراء خبرة من أجل تكييف دقيق.
تعمد
المحاكم كما أسلفنا في تكييفها للتهم الموجهة لمخالفي قوانين التعمير بناء
على محاضر المعاينة التي ينجزها أعوان الجماعات المحلية المكلفين بمراقبة
مخالفات التعمير، مع العلم أن أغلب التكييفات التي ينجزها هؤلاء تكون عامة،
تنم عدم إحاطتهم بقوانين التعمير بحيث يشيروه في الغالب إلى أن المتهم
ارتكب مخالفة ضدا على قوانين التعمير الصادرة سنة 1992، أو الإشارة إلى
مخالفة أحكام نص من نصوصه كالمادة 40 أو 42 من قانون 90-12 مثلا، أو يشيرون
في أحسن الأحوال إلى أن المتهم ضبط وهو يبني بدون الحصول على رخصة من
الجهات المختصة وما ألفت نظرنا ونحن نتناول الأحكام الصادرة عن استئنافيتي
وجدة والناظور أن المحكمتين تعمدان مباشرة إلى تكييف التهم طبقا لما ورد
بالمحضر، بل إنه ومحاولة منها التستر على هذا الوضع غير السليم، تنظر إلى
هذه المحررات باعتبارها وثائق يوثق بمضمونها، ولا يمكن الطعن فيها إلا
بالزور، مع أن هذا التعليل يتناقض مع الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية
الذي ينص على إمكانية إثبات عكس ما هو مثبت بمحاضر الشرطة القضائية بكافة
وسائل الإثبات ولعل السبب الذي جعل محاكم الاستئناف تعتبر هذه المحاضر لا
يطعن فيها إلا بالزور في نظرنا هو قياسها على المحاضر التي ينجزها أعوان
المياه والغابات المنظمة بظهير 10/10/1917 بشأن المحافظة على الغابات
واستغلالها، وهو نص خاص يعتبر هذا المحاضر ولا يطعن فيها إلا بالزور، ونحن
نرى أن هذا القياس لا مجال للعمل به بالنظر إلى كونه نص خاص، وأنه مع عدم
وجود ما يبرر ذلك قانونا، أي انطلاقا من نصوص قوانين التعمير، فلا مجال
للعمل بالنص العام وهو نص الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية.
وفي هذا
السياق اعتبرت استئنافية وجدة أنه"وحيث أنه يستفاد من محضر المعاينة الذي
أنجزه العون المحلف بالجماعة، أن المتهم ضبط وهو يبني الطابق الثاني بدون
رخصة، وبناءا على هذا التكييف للمخالفة أصدرت الاستئنافية المذكورة قرارها
معتبرة أن ما نسب إلى المتهم قد ثبت عليه وأيدت الحكم الصادر من ابتدائية
وجدة.
وفي حكم
صادر عن استئنافية الناظور اعتبرت فيه أن التهم ثابتة بحق الظنين بمقتضى
محضر المعاينة، مع العلم أن محضر المعاينة يشير إلى مخالفة قوانين التعمير
الصادر في 17/06/1992().
وهكذا
إذن يمكن القول أن تكييف المحاكم للتهم الموجهة لمخالفي قوانين التعمير
بناء على محاضر المعاينة المنجزة من قبل أعوان الجماعة المكلفين بهذه
المهمة غير مقبول لسببين أولهما أن هؤلاء الأعوان قد يجهلون تكييف
المخالفة وثانيها أن القضاء لابد أن يستقل بممارسة التكييف القانوني
للوقائع ضمانا للعدالة.
لما كان
التكييف بناء على محاضر المعاينة غير مقبول للأسباب التي ذكرناها في الفقرة
السابقة، فإن القضاء ينبغي أن يعمد إلى تكييف هذه التهم في اعتقادنا بإحراء
خبرة خاصة تلقائيا، حتى يضمن تكييف أسلم من الناحية القانونية من جهة،
وضمانا لمعرفة التحولات التي قد تقع على العقار موضوع المخالفة، من حيث هدم
البناء من عدمه أو تعنت المخالف عن تنفيذ الأوامر الصادرة عن الإدارة
بالهدم أو بتسوية الوضعية وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، ومن ثم ضمان
صدور حكم عادل.
وكيف كان
الحال فإن التكييف القضائي للمخالفات المحالة على المحاكم بصفة عامة مرتبطة
أصلا بماهية المخالفات التي ترتكب.
فما هي
أهم المخالفات التي أحيلت وتحال على محكمتي الاستئناف بوجدة والناظور؟ ذلك
ما سنجيب عليه في المطلب الثاني من هذا المبحث
إن ما
جاءت به النصوص المتعلقة بقوانين التعمير من ضوابط لضبط المخالفات التعمير
وذلك بسنها لمجموعة من الإجراءات المسطرية الخاصة فإنه سيكون من المفيد
التطرق للواقع العملي من خلال الإطلاع على بعض القرارات الصادرة عن بعض
المحاكم وملاحظة مدى تطبيق النصوص القانونية وكذا ملء الفراغ التشريعي بهذا
الخصوص.
وعليه
سنعتمد في هذا العرض على دراسات القرارات الصادرة عن كل من المحكمة
الاستئنافية بوجدة وتلك الصادرة عن المحكمة الاستئنافية بالناظور محاولين
رصد ما أمكن لمختلف مخالفات البناء والتعمير التي تم ضبطها على مستوى
المدينتين.
إلا أنه
ونظرا لتصفحنا لمختلف القرارات الصادرة عن المحكمتين ارتأينا تقسيم هذا
المطلب إلى فقرتين، (فقرة أولى) تتعلق برصد المخالفات المتعلقة ببناء طوابق
جديدة أو تغيير شكل بناء معين بدون رخصة للبناء و (فقرة ثانية) إقامة بناء
لأول مرة بدون رخصة
باعتبار
منح رخص البناء من السلط التي تتمتع بها الإدارة لمراقبة عمليات البناء قبل
القيام بها للتأكد من مدى مطابقتها للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل
فإنه في الواقع العملي تتم عملية البناء بدون الحصول على هاته الأخيرة،
الأمر الذي يتطلب القيام بزجر مرتكب المخالفة.
فكان من
بين الحالات التي تم رصدها على مستوى كل استئنافيتي وجدة والناظور
المخالفات المتعلقة ببناء أبنية لأول مرة على أرض فارغة وتلك المتعلقة
بزيادة طابق أو طوابق وإدخال تعديلات على بناء قائم بدون رخصة.
لهذا نجد
في قرار صادر عن استئنافية الناظور()
على انه "ما دام أن المحاضر المنجزة من لدن الأعوان المحلفين المنوطة بهم
ضبط الأفعال المخالفة للقوانين والأنظمة المعمول بها في ميدان التعمير
موثوق بها إلى أن يطعن في صحتها واعتبار إلى أن الظنينة قد قامت فعلا ببناء
الطابق الثاني باعترافها قضائيا وحسب ما ورد في محضر المعاينة، واعتبارا
إلى أن ملف النازلة يخلو مما يفيد كون الظنينة تتوفر على رخصة قانونية
لإنجاز الطابق الثاني، إلى أن الحكم الابتدائي لما قضى بعدم مؤاخذة الظنينة
بما نسب لها، فقد قررت التصريح بإلغاء الحكم وصديا بإدانة المتهمة من أجل
ما توبعت به، بعد إعمال المادتين 146 و 149.من ق ج وتمتيعها بظروف التخفيف
مراعاة لظروفها الاجتماعية وعليه تم إلغاء الحكم المستأنف والحكم بغرامة
مالية قدرها 3000 درهم مع الصائر والإجبار في الأدنى".
وعليه
يتضح أنه عندما قامت الظنينة ببناء طابق ثاني بدون رخصة فإنها تكون خرقت
القواعد الجاري بها العمل مما جعل عملها يكتسي طابع مخالفة، إلا انه ما
يلاجظ على ما ورد أعلاه أن المحكمة اكتفت بالغرامة فقط وذلك مراعاة للظروف
الاجتماعية للظنينة بدل اتخاذ أي عقوبة أخرى.
لهذا
وإن كنا مع الاتجاه الذي يراعي الظروف الاجتماعية إلا أنه من جهتنا نرى أنه
لا يجب أن يؤخذ بإطلاقيته لأن من شأن هذا الرفع في عدد المخالفات بدل
التقليص منها لأن الحكم بالغرامة فقط قد يشجع البناء بدون رخصة لعلمهم
مسبقا بنوع العقوبة خصوصا بالنسبة للأشخاص مليئي الذمة أما الأشخاص الذين
يعانون من ضعف الدخل فقد يجدون أنه من الأهون عليهم قضاء مدة الإكراه
البدني بدلا من أداء الإكراه المالي الذى قد يفوق قدراتهم، لهذا ندعو
القضاء إلى ضرورة مراعاة الظروف بالنسبة للحالة الأولى وكذا التمييز بين
الأشخاص محترفي البناء وبين الأشخاص الذين لا يحترفونه.
أما فيما
يتعلق بتغير شكل بناء معين بدون رخصة مسبقة فقد صدر في هذا الإطار قرار عن
استئنافية وجدة()يقضي
أنه حيث أن الحكم المستأنف اعتمد فيما قضى به من إدانة المتهم وعقابه بناء
على المحاضر القضائية وكذا على محضر المعاينة المنجز من طرف الأعوان
المكلفين أن الظنين قام ببناء جدران عكس ما تنص عليه رخصة الإصلاح ومن هنا
ارتأت المحكمة مؤاخذة الظنين من أجل ما نسب إليه وعقابه بغرامة نافذة قدرها
3000 درهم والصائر والإجبار في الأدنى وهو نفس ما ذهبت إليه استئنافية
الناظور ()
حيث قامت بزجر مثل هاته المخالفات .
لهذا نرى
أن المحكمة عندما قامت بتجريم هذه المخالفة قد صادفت الصواب لأنه لو تم فتح
المجال بهذا الخصوص لكانت العواقب وخيمة حيث لو افترضنا مثلا أن شخصا يملك
مقهى في طابق سفلي لعمارة أو منزل ذو ثلاث أو أربع طوابق وقام بتغيير جدار
أو ركيزة بدون رخصة سيؤثر حتما على المبنى وقد يؤدي الأمر إلى إحداث تشقق
أو هدم جزئي أو كلي للمبنى.
إلى جانب
الحالتين المتعلقتين بإضافة طابق أو طوابق وإدخال إصلاحات على بناء قائم ثم
رصدنا للعديد من الحالات المتعلقة بمخالفة قوانين البناء من خلال المخالفات
المتعلقة بتشييد بناية لأول مرة بدون رخصة.
وعليه
صدر في هذا الإطار قرار عن استئنافية الناظور()حيث
أن الظنين جسب محضر المعاينة المذكور قد قام ببناء سفلي بدون رخصة وحيث أن
محضر المعاينة المحرر من طرف العون المكلف وحيث أن جنحة البناء بدون رخصة
ثابتة في حقه ، وتطبيقا للفصول 253و 286و 287و 290 و366و367و393 من ق ج
والفصول 1و 40و64 و65 و و66 و71 من ظهير 1992 بشأن التعمير
حكمت
المحكمة بتأييد الحكم الابتدائي المستأنف القاضي بعقابه بغرامة مالية قدرها
2000 درهم مع الصائر والإجبار في الأدنى وهو نفس التوجه الذي ذهبت إليه
المحكمة الاستئنافية بوجدة حيث أنها أحيانا تقضي بالغرامة وتارة أخرى تقضي
بالغرامة أو الهدم أو إرجاع الحالة إلى ما كنت عليه.
ويستخلص
من مختلف هاته القرارات إلى أن اللجوء إلى البناء بدون رخصة يشكل عدم
اكتراث المخالفين بالجوانب السلبية في لجوئهم لمخالفة مقتضيات التعمير جهلا
للجوانب الصحية والبيئية بحيث رصدنا على مستوى مضمون مختلف التقارير أن
الظنين غالبا ما يعترف بالمخالفة الموجهة ضده وهذا إن دل على شيء فإنما يدل
على عدم الوعي الكامل بمقتضيات قوانين البناء مما ينتج عنه إثقال كاهل
القضاء بالملفات رغم أنه يتم رصد العديد منها ولو لم تتم الإحالة كليا من
طرف الجهات المختصة لأنها تخضع لمزجيات الإدارة.
من أجل
ذلك نعتقد بأنه على القضاء التشديد بخصوص العقوبات لأن من شأن ذلك الحفاظ
بالتنظيم العمراني للمجال وبالتالي ضمان احترام مقتضيات تصاميم البناء.
ومن خلال
استعراضنا لبعض المخالفات المتعلقة بإضافة طوابق أو تغيير شكل بناء قائم أو
بناء لأولا مرة بدون رخصة نتساءل عن مختلف الجزاءات المقررة بشأن هاته
المخالفات.
لقد أصبح
قطاع التعمير من أهم القطاعات التي حظيت باهتمام الدولة في الآونة
الأخيرة، الأمر الذي يفسر تدخل أكثر من جهة لضمان تطبيق مقتضيات هذا
القانون.
وباعتبار
القضاء مساهم قوي في هذه العملية فما فتئ يتدخل ويتدخل عن طريق ما توافر
لديه من آليات تصب في اتجاه ضمان احترام القانون، وهذا ما تجسده كل من
محكمة الاستئناف بالناظور وكذا بوجدة من خلال فرض غرامات على كل من خالف
المقتضيات المعمول بها في المجال (المطلب الثاني)إلى جانب عقوبة الهدم أو
إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه(المطلب الأول)
- نظرا
للأهمية القصوى التي أصبح يعرفها قطاع التعمير ببلادنا خص المشرع المغربي
الجهاز القضائي بمجموعة من الآليات الزجرية التي تمكنه من التدخل بشكل قوي
في هذا المجال عن طريق فرض مجموعة من العقوبات على كل من لم يحترم الضوابط
والمقتضيات القانونية التي جاء بها قانون التعمير.
فإضافة
إلى عقوبة الغرامة نجد هذه الأخيرة غالبا ما تكون مقترنة بعقوبة أخرى
متمثلة بالأساس في الهدم أو إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه.
هكذا
وبتفحصنا لمجموعة من القرارات التي حصلنا عليها سواء في محكمة الاستئناف
بوجدة أو بالناظور فيلاحظ أنها تارة تكتفي بإعمال عبارة الهدم، وتارة أخرى
تقضي بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليها هذا طبعا إلى جانب الغرامة()
بل إن من القرارات ما تضمنت العقوبتين معا، الهدم وإرجاع الحالة إلى ما
كانت عليه().
وأمام
هذا الخلط بين المصطلحين -الهدم وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه- ما دفعنا
أو بالأحرى ما أثار فضولنا للتساؤل هل يوجد فعلا فرق بين المصطلحين أم أن
الأمر لا يغدوا سوى أن يكون ترادف المصطلحين لهما نفس المعنى؟
بداية
يمكن القول أنه وعلى الأقل من الناحية النظرية لا يوجد فرق ما دام أن
النتيجة التي يؤدي إليها الهدم هي في نهاية المطاف إرجاع الحالة إلى ما
كانت عليه والتي يقصد بها الوضع الذي كان قائما قبل تشييد هذا البناء، لكن
عمليا يمكن تسجيل بعض الفروق كما في الهدم الجزئي بحيث لا يمكن هنا القول
بأن هذا الهدم يؤدي إلى إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه كمن بنى جدارا مثلا،
جزء منه تجاوز المساحة المسموح بها بمقتضى الرخصة()
ذلك أن الحكم بالهدم سوف ينصرف فقط إلى الجزء الذي تجاوز الحد المسموح به
فلا يمكن للمحكمة الحكم بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه وإلا انصرف الأمر
إلى هدم كل الجدار، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الحكم بإرجاع الحالة إلى
ما كانت عليه قد تعتريه بعض الصعوبات بحيث لا يمكن بتاتا للمخالف أن يعود
إلى الوضع السابق خاصة إذا كان هذا المخالف قد شيد بناء فوق ملك غابوي ()
واقتضى الأمر مثلا اقتلاع بعض الأشجار فإنه والحالة هاته وإذا ما حكمت
المحكمة بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه لوصفت نفسها مسبقا أمام صعوبة في
التنفيذ، بحيث لا يمكن إعادة غرس الأشجار من جديد وبالتالي وللخروج من مثل
هذه الإشكاليات نعتقد بأنه على المحاكم المغربية بصفة عامة استئنافيتي
الناظور و وجدة بصفة خاصة أن تكتفي في أحكامها إلى جانب الغرامة بالهدم
دونما حاجة إلى النص على إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه حتى تكون أحكامها
منسجمة مع مقتضيات الفصل 77 من قانون 90-12 الذي أشار إلى عقوبة الهدم دون
غيرها()
إذا كانت
المحكمة في كثير من قراراتها تحكم بالغرامة والهدم ضد الظنين كما أسلفنا،
فإنه طبقا لسلطتها التقديرية واستنادا إلى القانون قد تحكم أيضا بالغرامة
فقط دون الهدم أو إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، لكن ما يثير الانتباه
بالنسبة لهذه الأحكام سواء منها الصادرة عن محكمة الاستئناف بوجدة أو
استئنافية الناظور، هو كون التهمة الموجهة إلى الظنين والتي على أساسها حكم
بالهدم والغرامة مثلا هي نفسها التي يصدر على أساسها الحكم بالغرامة فقط،
خصوصا إذا علمنا أن كل القرارات الصادرة عن هذه المحاكم لا تكاد تجد فيها
تعليلا كافيا يشفي غليل الباحث على سبب التمييز بين الحكمين مع أن التهمة
التي توجه للظنين هي نفسها.
فالمحكمة، تبرر حكمها في الغالب بكون التهمة ثابتة بمقتضى محضر المعاينة
وتحكم بناء عليه دون أدنى بيان للحيثيات الأخرى التي دفعت المحكمة إلى
اتخاذ هذا القرار .
وهكذا
وطبقا لقرار صادر عن استئنافية الناظور()
اعتبرت فيه أن تهمة البناء بدون رخصة ثابتة ضد المتهم استنادا إلى محضر
المعاينة ومن أجل ذلك عاقبته بغرامة نافذة قدرها 3000 درهم، لكن في نفس
السياق أصدرت قرارات أخرى وكما أسلفنا في الفقرة السابقة، اعتبرت فيها أن
تهمة البناء بدون رخصة ثابتة وحكمت ضد الظنين بالغرامة مع الهدم أو إرجاع
الحالة إلى ما كانت عليه.
نفس
الأمر نجده فيما يتعلق بأحكام استئنافية وجدة ففي قرارها الصادر بتاريخ
04/01/2006 أيدت فيه الحكم الابتدائي القاضي بغرامة ضد المتهم قدرها 3000
درهم بعدما أثبتت التهمة بناء على محضر المعاينة، وفي السياق ذاته أصدرت
المحكمة نفسها قرارا جنحيا آخر حكمت فيه على المتهم بعقوبة قدرها 5000 درهم
مع الهدم()،
مع العلم أن القضية تتعلق بنفس التهمة المشار إليها في الحكم السابق وهي
البناء بدون رخصة.
هكذا إذن
يتبين أن أحكام هذه المحاكم ونظرا لغياب تعليل مقنع يجعل الباحث غير مطمئن،
ولا يستطيع أن يصل إلى سبب هذا التميز، ويتأكد هذا الأمر إذا علمنا أن هذه
المحاكم تصدر أحكاما بالغرامة تختلف من حيث الشدة، دون أن تبين سبب تشديد
العقوبة أو تخفيفها.
مع أن
التهمة الموجهة للظنين واحدة بذلك والحالة هذه نعتبر أنه ينبغي أن تقوم
الغرف الجنحية بتعليل الأحكام الصادرة عنها بما يجعلها تفيد معنى، وتؤسس
لمبادئ في الاجتهاد القضائي من جهة، وتجعل الباحث يطمئن إلى ما يصدر عن
القضاء من أحكام بمتابعة تفسير وتطبيق في نفس الوقت للنصوص القانونية.
بالرغم
من الترسانة القانونية التي سنها المسرع المغربي لضبط مخالفات البناء بشكل
خاص والتعمير بشكل عام فإنه مع ذلك لازال الأمر يكتسيه فرع من التداخل في
الاختصاصات بين الجهات المخول لها ضبط المخالفات مما أثر سلبا على عملها
وبالتالي على عمل القضاء كثرة المتداخلين في إحالة القضايا عليه جعل أحكامه
تتأرجح بين الاعتماد على محاضر المعاينة المجراة من طرف الأعوان المكلفين
التابعين للمجالس الجماعية وبين المحاضر المقدمة من طرف الشرطة القضائية
إضافة إلى ضغط العامل الاجتماعي.
من هذا
المطلق ارتأينا إيراد بعض المقترحات التي نرى أنه من شأنها إصلاح المنظومة
القانونية والقضائية بناء على الملاحظات التي تم رصدها حول تعامل كل من
استئنافيتي وجدة والناظور نذكر منها:
+ يجب
تجميع شتات قوانين التعمير بدل الرجوع إلى النصوص العامة.
+ منح
الأشخاص إمكانية رصد المخالفات وتقديم الشكايات بدل الاعتماد على محاضر
المجالس الجماعية وأعوان الشرطة القضائية .
+ تعيين
أشخاص يجمعون بين الكفاءة التقنية والكفاءة القانونية.
+ تكوين
هيئة قضائية متخصصة في النظر في مخالفات التعمير لأن من شأن ذي الإسراع في
البث في القضايا والتخفيف من المصاريف.
+ إقامة
حملات تحسيسية في مجال البناء وذي باشتراك مع مختلف هيئات المجتمع المدني.
TOC
\o "1-3" \h \z \u
مقدمة:
PAGEREF _Toc106330622 \h
1
المبحث الأول: مخالفات
التعمير على استئنافيتي وجدة والناظور.
PAGEREF _Toc106330623 \h
2
المطلب
الأول: إشكالية التكيف مخالفة التعمير.
PAGEREF _Toc106330624 \h
2
الفقرة
الأولى: التكييف القضائي للتهمة بناء على محاضر المعاينة.
PAGEREF _Toc106330625 \h
3
الفقرة
الثانية: تكييف مخالفات التعمير بناء على إجراء الخبرة.
PAGEREF _Toc106330626 \h
4
المطلب
الثاني: طبيعة المحالفات المحالة على استئنافيتي وجدة والناظور.
PAGEREF _Toc106330627 \h
5
الفقرة
الأولى: مخالفات البناء بدون رخصة.
PAGEREF _Toc106330628 \h
5
الفقرة
الثانية: إقامة بناء لأول مرة.
PAGEREF _Toc106330629 \h
7
المبحث الثاني: جزاءات
مخالفات التعمير بين استئنافيتي وجدة والناظور.
PAGEREF _Toc106330630 \h
9
المطلب
الأول: الهدم أو إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه.
PAGEREF _Toc106330631 \h
9
المطلب
الثاني: الحكم بالغرامة وحدها.
PAGEREF _Toc106330632 \h
11
خاتمة:
PAGEREF _Toc106330633 \h
13
الفهرس:
PAGEREF _Toc106330634 \h
14
|