|
جامعة محمد الأول كلية الحقوق بوجدة مسلك الماستر في قانون العقود و العقار السداسي الثاني
مقــدمة : إن دراسة مخالفات التعمير بالقوانين المغربية تقتضي بداية تحديد مفهوم التعمير، وبهذا الخصوص يذهب الأستاذ جاكينيون Jacquignon إلى أنه فن تهيئة، المدن، بينما يعرفه الأستاذ أوبي Aupy بأنه مجموعة من الإجراءات التقنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تساعد على تطوير المجتمعات بشكل منسجم وعقلاني وإنساني[1]. كما أن دراسة مسالة التعمير بالمغرب تستدعي ثانيا الاعتراف بوجود بعض الإرهاصات الأولية أو التجليات الضمنية لها في تاريخ المغرب، فالكثير من المدن العتيقة والقصبات التاريخية، بما تتوفر عليه من سمات سواء فيما يخص الأسوار والأبواب أو الأزقة والساحات العمومية أو تعدد البنايات من بنايات خصوصية وأخرى جماعية مشتركة ...وكل هذا يوحي بوجود بل تجدر قيم التعمير بالمغرب[2]. ورغم ذلك فإن الحديث عن التعمير كسياسة وكقانون لم يبدأ في المغرب إلا مع دخول الحماية الفرنسية، التي عملت على إصدار سلسلة من الظهائر التي كانت تروم بلورة توجهات وأهداف الحماية في مجال التعمير والإسكان بالمغرب. غير أنه مع بداية الاستقلال برزت الى الوجود العديد من المتغيرات المتمثلة أساسا في سرعة النمو الديمغرافي وتزايد ظاهر التمدن بالمغرب، بسبب ارتفاع نسبة الهجرة من القرية نحو المدينة، مما ترتب عنه تزايد الحاجة الى السكن والخدمات العمومية والتجهيزات الأساسية ...[3] وإذا كان ازداد الطلب على العقار دافعا للدولة من أجل التدخل لإيجاد الحلول القمينة معالجة الإشكالات التي يطرحها واقع ما بعد الاستقلال، فإن ما يسجل بخصوص المرحلة الممتدة من سنة 1956 إلى غاية بداية العقد الأخير من ق 20 هو اكتفاء المغرب بالعمل بالظهائر الموضوعية أثناء فترة الحماية، ماعدا بعض النصوص الخاصة. ومن هذه النصوص التشريعية التي سنها المشرع المغربي بعد الاستقلال، قانون 25 يونيو 1960[4]، والذي يتعلق بتنمية الكتل العمرانية القروية، وهو أول نص يصدر بعد الاستقلال في ميدان التعمير[5]، وهناك أيضا قانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة[6]، كما صدر في سنة 1982 قانون يتعلق بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت[7]، هذا بالإضافة إلى إصدار المشرع بتاريخ 12 أكتوبر 1984 قانونا يتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي[8]. وبالنظر لحيوية مجال التعمير، وحاجة الدولة لضبطه، ولضمان تطبيق النصوص القانونية المصادق عليها، كان لزاما على المشرع إضفاء الصفة الآمرة على معظم نصوص هذه القوانين، مرفوقة بجزاءات مدنية وجنائية لكل مخالف لهذه الأخيرة. هذا وتتجلى أهمية موضوعنا في كونه يتناول مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، وهي تلك الممتدة من سنة 1956 إلى سنة 1990 وما تطرحه هذه المرحلة على كاهل الدولة من مسؤولية تدبير مجال التعمير ومعالجة أو التحكم في المتغيرات السوسيو-اقتصادية التي يشهدها المجتمع المغربي. فما هي طبيعة المخالفات التي نص عليها المشرع في الظهائر التي أصدرها في مرحلة 1956 إلى 1990؟ وما هي الجزاءات التي فرضها على مرتكبي تلك المخالفات؟ وما هي القيمة القانونية المضافة للظهائر الصادرة في هذه المرحلة؟ وكيف يمكن تقييم الأداء التشريعي في مجال التعمير في نفس الفترة؟ هذه بعض الاشكالات التي سنحاول مقاربتها في هذا العرض الموجز من خلال ما يلي : أولا : مخالفات قوانين التعميرالصادرة في مرحلة 1956 إلى 1990. ثانيا : القيمة القانونية المضافة لظهائر التعمير من 1956إلى 1990. أولا : مخالفات التعمير المنصوص عليها في الظهائر الصادرة في مرحلة 1956 إلى سنة 1990. في البداية لابد من الإشارة إلى أنه إذا كان المشرع في فترة الحماية قد عمل جاهدا على ترسيخ المبادئ الأساسية لقانون التعمير بالمغرب، من خلال ما أصدره من نصوص قانونية فإن ما يمكن أن يثير الانتباه هو أن حركية التشريع منذ بداية الاستقلال الى غاية سنة 1990 كانت دون مستوى حركية النمو الديمغرافي والاقتصادي الوطني. إن هذا الركود الذي أصاب التشريع تجلى أساسا في ندرة الظهائر الصادرة في هذه المرحلة، حيث يمكن تعدادها على رؤوس أصابع اليد الواحدة، هذا بالرغم كما قلنا من الأهمية المتزايدة التي اكتسبها مجال التعمير والإسكان في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. زيادة على ذلك فإن الظهائر الصادرة في هذه الفترة[9] يغلب عليها صفة الخصوصية، حيث أن كل منها يتناول جزئية معينة في ميدان التعمير، هذا في الوقت الذي لا زالت فيه مقتضيات ظهير 30 يوليوز 1952 وظهير 30 شتنبر 1953، سارية المفعول الى بداية عقد التسعينات من القرن الماضي. ومن خلال تفحصنا لثنايا النصوص القانونية المتعلقة بالتعمير في فترة 1956 إلى 1990، نجد أن المشرع المغربي نص على مجموعة من الشروط ومجموعة من الشكليات، والتي يعد الإخلال بها بمثابة مخالفة تستوجب جزاءات معينة إما مدنية أو جنائية. فما هي هذه المخالفات؟ وما نوع الجزاءات التي أفردها لها المشرع؟ للوقوف على هذه المخالفات وهذه الجزاءات نرتئي وضع جدول توضيحي لها كما يلي :
ثانيا : القيمة القانونية المضافة للظهائر الصادرة في مجال التعمير من سنة 1956 إلى 1990. من خلال قراءتنا الفاحصة للجدول التوضيحي للمخالفات المنصوص عليها في الظهائر الصادرة بالمغرب بخصوص التعمير من سنة 1956 الى سنة 1990، يتضح لنا مدى تعدد المخالفات، وتنوع الجزاءات المفروضة بخصوصها من ظهير الى ظهير، وهذا شيء طبيعي لكون الأمر راجع بالأساس إلى تنوع واختلاف المجالات الصادرة بخصوصها كل ظهير. فالظهير المتعلق بتنمية الكتل العمرانية يؤكد على جزاءات البطلان والإبطال، بالإضافة إلى الهدم أو تغيير الأشغال، وكذا الغرامة. لكن ما يثير الانتباه في هذا الظهير هو تنصيصه في الفصل 15 منه على عقوبة سالبة للحرية وهي الحبس من خمسة أيام إلى شهرين، وهو ما يؤكد توجه المشرع المغربي نحو التشدد في ضبط مخالفات التعمير. من جانب آخر فالظهير المتعلق بالأماكن المعدة لإقامة الشعائر الدينية الإسلامية يكتفي بالإحالة في فصله الخامس على مقتضيات ظهير 30 يوليوز 1952 الذي أصبح منسوخا بقانون رقم 12 –90 بتاريخ 17 يونيو 1992. هذا الأخير الذي يؤكد على إمكانية الأمر بالهدم وكذا المتابعة القضائية. أما ظهير 6 ماي 1982 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، الذي يقرر بطلان مقرر نزع الملكية في حالة عدم احترام المسطرة القانونية الواردة بهذا القانون. من جانب آخر، وفيما يخص الظهير المتعلق بالمباني التاريخية، فقد كان اكثر دقة في تحديد المخالفات التي أوردها، وذلك راجع لطبيعة المجال الذي ينظمه، والذي يرتبط أو يتقاطع فيه ما هو تاريخي بما هو ثقافي وبما هو هوياتي ... لهذا لا نستغرب كيف أن المشرع المغربي بالرغم من انه لم ينص على جزاءات سالبة للحرية على غرار القانون المتعلق بتوسيع نطاق العمارات القروية، فإنه وضع غرامات زجرية، تضاعف في حالة العود، مع إمكانية الحكم بغرامة تعادل عشر مرات قيمة الشيء المرتكبة المخالفة فيه، بل أكثر من ذلك أقر المصادرة كجزاء جنائي رادع يضاف إلى العقوبات السابقة. وإذا كان الأمر كذلك فإن العودة إلى الظهائر محل الدراسة، وقراءتها قراءة نقدية، وربطها بمجال الدراسة الذي هو مخالفات التعمير بالمغرب من سنة 1956 الى غاية سنة 1990، فإن ما يمكن الإقرار به، هو أن وثيرة التشريع بالمغرب في مجال التعمير في هذه الفترة اتسمت بالكثير من البطء إن لم نقل الجمود، ذلك أنه رغم ظهور العديد من التحولات الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية، فإن المشرع بقي حبيس أحكام ظهير 1952 وظهير 1953، و اكتفى فقط بإصدار الظهائر الخاصة المشار إليها سابقا. إن عزوف المشرع المغربي عن تحيين مقتضيات ظهيري 1952 و1953 على طول مدة 35 سنة من الاستقلال، خلق وضعية متباينة بين التشريع والواقع بخصوص مجال التعمير، حيث ظل الأول متخلفا عن الثاني لسنوات وعقود، وكان علينا أن ننتظر إلى غاية سنة 1992، ليصدر ظهير90.12 المتعلق بمدونة التعمير. من جهة أخرى لا يجب أن يفوتنا التأكيد على عدم انسجام المشرع المغربي مع ذاته، ذلك انه عمد في 25 يونيو 1960 إلى تخصيص ظهير كامل للعمارات القروية ، في الوقت الذي تتزايد فيه الإشكالات بخصوص المدار الحضري، دون أن يبادر إلى وضع حلول قانونية لها. وفي نفس السياق يمكن القول أن المشرع المغربي بإصداره لهذا الظهير يكون قد استبق الواقع، وإلا فإن اغلب الباحثين قد يتساءلون باستغراب حول مدى وجود عمارات في الحاجة إلى تقنين بالعالم القروي[10]. ففي الوقت الذي كان – ولا زال- العالم القروي بالمغرب يناضل من أجل فك العزلة عنهن وربطه بالبنية التحتية، والخدمات الأساسية من تعليم، وتطبيب ... نجد المشرع المغربي يهرع لتقنين مسائل لا توجد أصلا ولا تتصور في الواقع الحالي، أحرى ببداية الاستلال، وحتى على فرض وجودها فإنه لم تبرز بعد إشكالات تستدعي تخصيص قانون خاص ينظمها.و هناك مجال أولي بالتنظيم والتقنين. أما بخصوص ظهير 2 أكتوبر 1984، المتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي، فهو بدوره يثير بعض الإشكالات خاصة على مستوى تطبيق الجزاءات. وفيما يتعلق بظهير المحافظة على المباني التاريخية فإنه كان اكثر دقة، مقارنة بسابقيه، في تحديد المخالفات والجزاءات المرتبة لها. و في تقنين مسالة الارتفاقات التي تمس بهده المباني و المعالم الأثرية وقد جاء دلك درءا لكل ما من شانه أن يمس بسلامة هده المنشات أو يغير من طبيعتها[11].
خــاتمة : في ختام هذا العرض الموجز، نخلص إلى أن المشرع المغربي قد تأخر كثيرا في إقرار قانون التعمير لسنة 1992، الذي كان من الممكن أن كون معتمدا سنوات عديدة قبل هذا التاريخ. أما بخصوص ظهير 1960 فإنه من وجهة نظرنا نرى ضرورة إعادة النظر فيه وتحيين مجمل مقتضياته بشكل يستوعب المتغيرات التي يعيش على إيقاعها المغرب، سواء فيما يخص مجال التعمير أو مجال إعداد التراب. وحفاظا على الذاكرة التاريخية المغربية والموروث الثقافي ندعو الى تدعيم الجزاءات الواردة في الظهير المنظم للمباني التاريخية بإقرار مؤسسات رقابية، مهمتها مراقبة مجال الآثار وتنظيمه بشكل محكم.صيانة للهوية المغربية في تجلياتها المتعددة.
لائحة المراجع - عبد الرحمان البكريوي : التعمير بين المركزية و اللامركزية ط1 .1993 . الشركة المغربية للطباعة و النشر . - ميلود بوخال : محمد بوجيدة. مدونة التعمير و الهندسة المعمارية و الاعداد الانمائي للمجال.ط1 سنة 1998 .مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء. - الهادي مقداد : السياسة العقارية في ميدان التعمير و السكنى. ط1 سنة 2000.مطبعة النجاح الجديدة . الدار البيضاء. - محمد محجوبي: قراءة عملية في قوانين التعمير المغربية. ط1 سنة 2006 . دار النشر المغربية. - محمد قصري : الارتفاقات القانونية في مجال التعمير.المجلة المغربية للمنازعات القانونية. عدد مزدوج 5 و 6 سنة 2007.
[1]- هذه التعاريف أوردها ذ. الهادي مقداد : السياسة العقارية في ميدان التعمير والسكنى، ط 1ن سنة 2004، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 17 –18 . [2]- وذلك على خلاف بعض الباحثين الذين يقولون بكون المغرب لم يعرف ظاهرة التعمير إلا مع بداية القرن العشرين، ومنهم الهادي مقداد في مرجعه السابق. [3]- ذ. محمد محجوبي : قراءة عملية في قوانين التعمير المغربية، ط 1، 2006، دار النشر المغربية . ص 1 وما بعدها. [4]- الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.60.063 بتاريخ 30دي الحجة1379الموافق ل 25يونيو1960. المنشور بالجريدة الرسمية ، عدد 1489 بتاريخ 13 محرم 1380 الموافق ل 8 يوليوز 1960 . [5]- ذ. عبد الرحمن البكريوي : التعمير بين المركزية واللامركزية، ط 1، 1993، الشركة المغربية للطباعة والنشر، ص 16 . [6]- الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.80.341 بتاريخ 17 صفر 1401 موافق ل 25 دجنبر 1980 و المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3564 بتاريخ 12 ربيع الثاني 1401 الموافق ل 18 فبراير 1981. [7]- القانون رقم 81 –7 الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.81.257 بتاريخ 11رجب 1402 الموافق ل 6/ 05/ 1982 . و المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3685 بتاريخ 3 رمضان 1403 الموافق ل 15 يونيو 1983 . [8]- القانون رقم 1.84150 الصادر بتاريخ 2 أكتوبر 1984 ن منشور في الجريدة الرسمية ، عدد 3753 بتاريخ 3 أكتوبر 1984 ، ص 927 . [9]- لمزيد من الاطلاع على هذه الظهائر راجع، ميلود بوخال، محمد بوجيدة : مدونة التعمير والهندسة المعمارية والإعداد الإنمائي للمجال، ط 1، سنة 1998، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء. [10]- يذهب الدكتور عبد الرحمن البكريوي : الى أن المناطق التي يسري عليها نص قانون 1960 هي المدن الصغرى كبوقنادل، وزومي، وتاركست... وذلك قبل التقسيم الإداري الأخير للمملكة الذي ثم في غشت 1992 والذي أصبحت بمقتضاه بلديات.مما يعني أنه و لو سلمنا بهدا الناويل فان هذا المقتضى أصبح متجاوزا. - راجع عبد الرحمان البكريوي : م. س، ص 16 . [11] د. محمد قصري.الارتفاقات القانونية في مجال التعمير.مقال منشور بالمجلة الغربية للمنازعات القانونية.عدد مزدوج 5 و 6 سنة 2007 ص 15 و ما بعدها .
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
تصميم : JWD |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||